ابن عجيبة

394

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : كنتم يا معشر الصوفية خير أمة أخرجت للناس ، تأمرون بالجمع على اللّه والغيبة عما سواه ، وتنهون عن كلّ ما يبعد عن اللّه ويفرق العبد عن مولاه ، وتؤمنون باللّه وبما وعد به اللّه ، إيمان الشهود والعيان ، الذي هو مقام الإحسان . قال القشيري في رسالته : ( قد جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه ، وفضّلهم على الكافة من عباده بعد رسله وأنبيائه ) . وقال الجنيد رضي اللّه عنه : لو نعلم أن تحت أديم السماء أشرف من هذا العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا ، لسعيت إليه ولو حبوا . ه . وكان كثيرا ما ينشد : علم التصوف علم ليس يعرفه * إلّا أخو فطنة بالحقّ معروف وليس يبصره من ليس يشهده * وكيف يشهد ضوء الشمس مكفوف وقال الشيخ الصقلى : ( كلّ من صدّق بهذا العلم فهو من الخاصة ، وكل من فهمه فهو من خاصة الخاصة ، وكل من عبّر به وتكلم فيه فهو من النجم الذي لا يدرك والبحر الذي لا ينزف ) . وقال في الإحياء - لمّا تكلم على معرفة اللّه والعلم باللّه ، قال : ( والرتبة العليا في ذلك للأنبياء ، ثم للأولياء العارفين ، ثم للعلماء الراسخين ، ثم للصالحين ) . فقد قدّم الأولياء على العلماء . قال ابن رشد : وما قاله القشيري والغزالي متفق عليه . قال : ولا يشكّ عاقل أنّ العارفين باللّه وما يجب له من الكمال ، أفضل من العارفين بأحكام اللّه . انظر تمامه في المعيار . وقال في المباحث : حجّة من يرجّح الصوفية * على سواهم حجّة قويّه هم أتبع النّاس لخير النّاس * من سائر الأنام والأناس ثم قال : ثمّ بشيئين تقوم الحجّة * أنّهم قطعا على المحجّه « 1 » وما أتوا فيه بخرق العادة * إذ لم تكن لمن سواهم عاده قد رفضوا الآثام والعيوب * وطهّروا الأبدان والقلوب وبلغوا حقيقة الإيمان * وانتهجوا مناهج الإحسان

--> ( 1 ) المحجة : الطريق المستقيم .